فنانة العراق الأولى
جريدة الزوراء العراقية
فوزية الشندي تجربة غنية لواحدة من أهم ممثلات الجيل الذهبي
أضيف بواسطة zawraa
الكاتب ظافر جلود

الرائدة المسرحية الممثلة والكاتبة القديرة «فوزية الشندي» قامة عراقية، وثاني فتاة تتخرج من معهد الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية عام 1964، وأول طالبة تتخرج في أكاديمية الفنون الجميلة وتحصل على البكالوريوس، وأول طالبة تحصل على الماجستير في فن الإخراج المسرحي، وهي والدة كل من النجمتين (هند وهديل كامل)، ومع ان الأبناء يتأثرون دون شك بمحيطهم العائلي، فهند فنانة حقيقية رغم اختلاف الاختصاص، حيث فوزية فنون مسرحية، وهند سمعية ومرئية تميل إلى الاداء التلقائي الذي يخلو من التعابير المسرحية، ولكن طبيعة خطاب هند ولغتها العالية يجعل لها شخصية في أذهان المتلقين وداخل العمل أيضا …
وبالنسبة لهديل امتلاكها سماحة الوجه وقابليتها في الدخول بالشخصيات لم يخف قابليتها على المراوغة في الخوض بأغوار هذه الشخصيات وهذا أهم ما يميزها، ولديها القابلية على ترك مساحة تصديقية كبيرة في ادائها.
ودائما ما تتألّق الشندي طالما أنتَ قريب من “زنبقة” على المسرح والشاشة وهي في عمر السبعين الآن. تنسى أخاديدَ الزمن على وجهها “الحلو”، المضيء، المعطَّرِ بتواضعها، ورقتها، وأناقة روحها، وهندام “جبلّتها العذبة” المختبئة داخل كل كلمة تتدفّق من شفتيها بعفوية، أو كل عبارة تطلقُها بعد أناةٍ وتفكير وتؤدة، أشبه بتلك التي يتأنّقُ بها الحكماء!
فوزية الشندي، الفنانة الكبيرة، وذات القامة الفنيّة الباسقة التي ابتدأ بقسم الفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة ببغداد، كأوّل طالبة تحصل على البكالوريوس في أكاديمية الفنون الجميلة، وأوّل طالبة تنالُ درجة الماجستير في “فن الإخراج المسرحي”، هي وبعد عشرات الأعمال المسرحية والتلفزيونية يستذكرها الناس بشخصيتها الرئيسة في مدينة القواعد ومع تجاوزها السبعين من عمرها المديد، لكنّها “فتاةٌ مكثّفة الجمال” بلون زنبقة، وبعطرها، وبروحها، وبأناقة لا تتأتّى إلا لمن أوتي روحاً قادرة على التجدّد في كل لحظة!
تتحدّثُ إليها فتنسى أنّها جاءت إلى الدنيا في السادس من كانون الثاني 1946.
تُجبركَ على “الإفادة الجمّة” من حيويتها الهادئة آناً، والمتفجّرة آناً، حتى لكأنّك بإزاءِ بنتٍ في السادسة عشرة، تحارُ في كيفية محاورتها لتكون وإيّاها في مناخ نفسي واحد.. ولدت الشندي في مدينة بغداد في الأول من تموز 1946، ولها مسيرة فنية تناهز 50 عاما، ولديها مئات الأعمال المسرحية والتلفزيونية والإذاعية والسينمائية، ومنذ عام 2001 تفرغت للتأليف والتدريس. كانت تجربتها الغنية قد جعلتها واحدة من أهم ممثلات الجيل الذهبي في العراق، دخلت معهد الفنون الجميلة عام 1960-1961، وتخرجت بعد 3 سنوات من الدراسة، وكانت ثاني طالبة تتخرج من المعهد، حيث سبقتها الفنانة آزادوهي صاموئيل بسنة واحدة.
كان أول عمل مسرحي لها « فيما وراء الأفق» من إخراج راهب المسرح العراقي بهنام ميخائيل، ثم شاركت في مسرحية «شهرزاد» لتوفيق الحكيم وإخراج جعفر السعدي. تأثرت بالعمل مع الراحل إبراهيم جلال بداية من مسرحية «مصرع كليوباترا» لأحمد شوقي، فهو المحلل البديع للحوارات ولما خلف الكلمة وما خلف السطور، تعلمت منه الكثير وغرس فيها معلومات لا يمكن أن تُنسى، ولغاية اليوم.
كما عملت مع عدد من المخرجين البارزين مثل جاسم العبودي في مسرحية «عطيل»، وجعفر علي في «الثري النبيل»، وسامي عبد الحميد في «تاجر البندقية».
كما شاركت في 59 عملا مسرحيا وتلفزيونيا خلال مسيرتها الفنية والتي تبلغ 50 عاماً، وتعتبر اول مدرسة للتمثيل المسرحي في الوطن العربي. أما بالنسبة للإذاعة والتلفزيون فهي كانت دائما تميل الى تمثيل الشخصيات العالمية مثل (انا كريننا) و (انتجبونا) وغيرها من الشخصيات الاخرى.
بعد التخرج عيّنت بالنشاط المدرسي، ودرّست في معهد المعلمات، وأخرجت 4 أعمال أهمها «كيف نقع في حبائلهم»، و»شمس النهار» لتوفيق الحكيم، ولم يكن هنالك عنصر رجالي في معهد المعلمات في الأعظمية ببغداد، وإنما كانت البنات يأخذن أدوار الرجال وكن يجيدن هذه الأدوار.
يعتبرها الوسط الفني والثقافي أنها أول مدرّسة تمثيل في العالم العربي، بعد ان تعاقدت مع جامعة اليرموك في الأردن، ودرّست فيها 8 أعوام في كلية التربية والفنون من عام 1990 حتى 1998، درست الدراما وتاريخ المسرح، والتمثيل المسرحي الواقعي، والصوت والإلقاء، وسيكولوجية المسرح، ودرّست الصامت والتمثيل الارتجالي، خرّجت نحو 8 أجيال في الأردن، وتعتز بهم طلابا في أكاديمية الفنون الجميلة وكل طلابها في معهد الفنون الجميلة وفي أكاديمية الفنون الجميلة بعد التخرج، وهذا هو الرصيد بالنسبة لها في الجانب الفني.
لقد اقترن اسم الفنانة القديرة فوزية الشندي بالثقافة الفنية في العراق، فهي من جيل الرواد الاوائل التي يتذكرها الجمهور العراقي في المسلسل (مدينة القواعد) وهو من أهم الأعمال التعليمية التي يذكرها جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والذي يركز على تعليم اللغة العربية بطريقة درامية وطريفة مبسطة وكان يشاركها البطولة فيه الفنان الراحل جعفر السعدي بدور (مدرس اللغة العربية)، وكذلك المسلسل التعليمي (اين مكاني من الاعراب).
كما شاركت في 90 حلقة من برنامج لغوي تناول (الفية بن مالك) وقد عرض هذا البرنامج في معظم المحطات التلفزيونية العربية بين العام 1970 وحتى منتصف الثمانينات، بالإضافة الى تأليفها مسلسلات اذاعية كثيرة منها (ليل طويل في انتظار الفجر)، (الصفعة)، (اليك واليك فقط)، (بيت الافاعي). وكانت دائما تميل الى تمثيل الشخصيات العالمية وتتألق في ادائها.
أما أبرز البرامج التي شاركت بتقديمها برنامج «الشعر ديوان العرب» من تأليف عدة مؤلفين، وكان يُذاع في الساعة 12 ظهرا بتوقيت بغداد، ويعاد في 12 ليلا، ويشاركها المرحوم الفنان الكبير طعمة التميمي، وكان يقدم في الأستوديوهات الإذاعية في بغداد، يضاف لذلك الأعمال العاطفية والاجتماعية ومسلسلات مختلفة. كما كتبت للتلفزيون مسلسل «جنوح الأحداث»، الذي أثار ضجة كبيرة وقتها، وتتطلع لإنتاج مسلسلها «من نافذة الحياة» لكونه عملا جيدا حسب قراءات بعض المختصين الذين اعتمد على آرائهم من مخرجين.. فقد حظيت المرأة بمساحة واسعة في كتابتها الأخيرة القصصية منها او السيناريوهات، عبر شخصيات نسائية تعد رمزا ونموذجا لسمات متفردة في حلبة الصراع الدرامي، منهن حياة سيدة الكوخ، وصديقاتها وابتسام، وجوهرة، وحصة، ومنى، واسمهان، وساهرة، ومريم، وايثار، ونائلة، وكذلك ظلال بطلة العمل وغيرهن، من خلال عوالم الحياة المختلفة منها الهانئة، او ممن تحمل الأسى والمعاناة، فضلا عن مكنونات النفس وتداعياتها. ويمكن الاشارة الى أن هذه النصوص قد قدمت لنا تباينا من القصص الساخنة، بأفعال شخصياتها المنتقاة في أماكن تحمل أدوارا مهمة في المجرى الحكائي، بكل قوة تعبيرية وتشويق ومتعة التلقي.
لكن المسرح عند فوزية الشندي هو مدرسة الشعب كما يقال، ومن خلاله تتطور المجتمعات وتشخّص الأخطاء، ليتنفس المجتمع الصعداء. والعمل بالمسرح صعب جدا، فأنا لا أتكلم عن الأعمال التجارية من رقص وغناء والجمل التافهة والمتداولة، لكنني أتكلم عن المسرح العالمي الفكري والشامل والإنساني.
المسرح كما تراه هو حياة كاملة وصعبة، ولكنه يحتاج لإنسان متفرغ، وهي كانت تعمل المستحيل، وكان زوجها -رحمه الله- المهندس الزراعي كامل الشندي الذي صمم منتزه 14 تموز في بغداد والذي توفي في العام 2007 يأتي معها للبروفات، ويقف على صعوبة المسرح الذي تعمل به، لأن أساتذتها المخرجين كانوا يصرفون جُل أوقاتهم مع الممثل، دربوها وعلموها ما هو الصح والخطأ بالمشاعر والحركة وغيرها، هذه أمور هندسية وعلمية، وعلمتها بدورها لأجيال طلبة الجامعات. خاصة وأنها عملت كمدرسة في معهد وكلية الفنون الجميلة لمدة طويلة.
إذن للمسرح رهبة في نفسها لان الفنان سيلتقي بشكل مباشر مع الجمهور الذي يتابعه وينتظر منه اداء جيد اضافة الى المسرح التزام يومي يتطلب حضور الفنان يومياً ليعتلي خشبة المسرح، بينما في السينما والتلفزيون يختلف الامر فالمشاهد التي يجري تصويرها تكون ضمن مواعيد ومبرمجة وتخضع لمونتاج، لكن والحق يقال ان ما تشتغله في 25 يوم في التلفزيون يعادل 25 سنة في المسرح، واعتقد ان الوقت الحاضر هو عصر الفضائيات التي اصبحت الاوسع انتشاراً للفنان من المسرح.
وعندما يمارس الفنان الاجناس الفنية المتنوعة لابد ان يكون هناك جنس فني يرهب الفنان، فأي من الاجناس السينما او التلفزيون او المسرح- الذي يدخل الرهبة عند فوزية الشندي، وربما هذا سؤال يتردد عليها كونها مارست كل أجناس العمل الفني ممثلة، مخرجة، كاتبة، مدرسة، وهي تخصصات مهمة جدا، فالعمل في السينما هناك كوادر تهيئ لك الجو حتى تقول جملتك التمثيلية كذلك في التلفزيون، لكن خشبة المسرح لها قدسية ترهب كل فنان مهما كانت مقدرته الفنية عالية، كذلك الاشتراك في العلاقة طول فترة العرض بأداء الممثلين الاخرين بنفس التوقيت والمستوى الادائي، فكما تعلم فالخوف الوحيد هو الوقوف على خشبة المسرح امام المتلقي، خاصة وان المسرح العراقي الذي يعتمد على طرق كلاسيكية في التمثيل يكون محورها الرئيسي الممثل نفسه، فلا يوجد ملقن كما يوجد في بعض المسارح الاخرى، وايضا، الممثل العراقي هو الوحيد الذي لا يوفر له المخرج المايك (الاجهزة اللاقطة) بل الممثل يعتمد على تقنياته الصوتية والجسدية في ايصال الحدث للمشاهدين لذلك العمل.
فهي تستمتع بالعمل العراقي اليوم عبر شاشة التلفزيون رغم بعدها، خاصة بعد ان شاهدت مؤخرا بعض الاعمال التي تستحق المشاهدة منها (رجال وقضية والباب الشرقي واخر الملوك) اعمال لطيفة وأفضل من غيرها وفيها جهد كبير في الاداء والنص والاخراج. لكنها كما زنبقة الشاشة النجمة الكبيرة لا تقاس أبداً… كل الذي يقدم لا يقاس بالماضي.. لان فناني الماضي رسموا اعمالهم بريشة خاصة وتجمعت الريش لتصنع عملا كبيرا.
لكن وفي نفسها غصة من قلة حضور الفنان العراقي عربيا الذي مازال يشكل لديها هاجساً، لم يتحقق في مسيرتها السابقة، هو الدور الذي يشكلُ موطئَ قدمٍ للانتشار العربي، وتلك معضلة الفنانين العراقيين قاطبةً من الأجيال الماضية، أما الشباب القادمون، فيتوسم فيهم العالمية وليس الانتشار العربي الذي عجزت عنه جيلهم عن بلوغه» وما دام هناك شباب مخلصون وباحثون في البلد، فسوف لن تضيع جهودهم مادام هناك نهر يجري وشمس مشرقة، ولأن الفن العراقي ملتزم وسيبقى ملتزماً لأنه بُنِيَ على صحٍّ، لقد بناهُ روادٌ مخلصون وأسسوا له جيداً»..
تتخذ الآن الفنانة الرائدة الشندي منذ أكثر من 20 عاما من لندن مكانا دافئا للسكن والحياة، بعد ان اعتزلت التمثيل واتجهت الى كتابة المسلسلات والسيناريو وإلقاء المحاضرات، فقد اعتذرت عن المشاركة في عدد من الاعمال الدرامية والفنية حين وجهت له دعوات من بعض المؤسسات الفنية والفنانين في سوريا.
عن ذلك تقول: في لندن لا أستطيع ان أبدأ من الصفر ولا اسمح لنفسي أبدا بالمشاركة بأعمال لا يشارك بها ممثلون محترفون فهناك لا يوجد متخصصون في الاضاءة والديكور اضافة الى الكوادر الفنية الاخرى التي تسهم في بناء المسرح، فالمسرح عبارة عن بناء هندسي فكري متكامل وفلسفي واجتماعي ويحتاج الى فنيين في الديكور والاضاءة، ولكن هذا لا يعني اني بعيدة عن الفن والعمل الأكاديمي، فلقد ساهمت بإلقاء محاضرات فنية في لندن وإسكتلندا ونيوكاسل وعدد من المدن البريطانية، وكذلك امارس كتابة السيناريو ولدي عدة مسلسلات.
وتضيف الفنانة القديرة : انها اعتزلت التمثيل الى الابد ولا تريد ان تخوض التجربة من جديد ، ولأنه لا توجد في بريطانيا شركات يعمل بها الفنان العراقي، تعوّض التمثيل بكتابة السيناريوهات لأفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، إذ صدر لها كتاب «من نافذة الحياة» أطلت علينا الفنانة المخرجة والممثلة والكاتبة السيدة فوزية الشندي، بمنجزها الجمالي، الذي يتضمن مجموعة سيناريوهات أعدت للدراما التلفزيونية، نشرتها دار سطور، مؤخرا، بعنوان «من نافذة الحياة»، مانحة حلقاتها مسميات متعددة منها : «نهر الأحلام «، و»الكفيلة «، و»أوهام»، و»حين يكون الغباء موهبة»، و»ليالي الشتاء»، و»باب الله»، و «يا أعز مقدساتي»، و»في انتظار الموعد»، و»فراغ للعيش» و»معنى الحب»، و»أنا فقط»، و»هلاهل عمتي»، و»البرقية»، و»ملاعق الفضة»، و»نعم هذا كل ما عندي»، وكل منها يسبح في فلك درامي يحمل نبضا من المشتركات، التي حرص البناء الدرامي على دسها في ثنايا السرد، بحيث لا تخلو كتابة هذه السيناريوهات من تنامي الأحداث ومفارقاتها وبنائها الدرامي المشوق، لا سيما أن خبرة الكاتبة الشندي، أهلتها أن تكتب بلغة الصورة وفتح النافذة المرئية للأفعال الظاهرة والمضمرة، وبلغة متوازنة وواعية لمعنى المفردات، وتأثير وقعها في الذائقة ومستويات التلقي، بتراكيب لغوية آسرة قيد التداول العربي بأسلوب الحوار المتحضر في الحياة التي تنشدها، في البناء القصدي لنوعية الشخصيات المتباينة، من جهة البعد النفسي والاجتماعي والوظيفي، التي قدر لها أن تكون ديناميكية الحركة ، لكنه حتى هذه اللحظة تبحث عن شركة تستثمر أو تنتج هذا الكم من الافكار وتشغّل به ممثلين، لأن مواضيعه اجتماعية وكتبت كلها باللغة البيضاء، أي لغة عربية فصحى بسيطة غير مقعّرة، ولديها كتاب اخر سيصدر قريبا يقع في 57 قصة متوسطة، وثلاث قصص ليكون 60 قصة، تتكلم عن واقع المجتمع العراقي.
لقد اشتركت الفنانة الشندي في اعمال اعتبرتها جيدة وكانت البطلة فيها في مهرجان اتحاد الاذاعات العربية في قرطاج، لكن اللجان التحكيمية في ذاك الوقت كانت تربح الادوار الثانوية ليحصدوا الجوائز، وكانت وزارة الاعلام آنذاك تصرف بلا حساب للممثلين الثانويين وتترك النجوم، لكن وبصراحة هي لا تهتم بمثل هذه الجوائز لأنها لا تساوي إزاء حب الناس والجمهور لها ، فحب الناس أغلى رصيد وأجمل جائزة، وانها وخلال مسيرتها الفنية حصلت على لقب أحسن ممثلة في فيلم (الرأس) وهو من اخراج الفنان فيصل الياسري في العام 1974.
نعم ان الفنانة القديرة فوزية الشندي رائدة من رائدات المشهد الفني العراقي، وحالة ابداعية خاصة قدمت للفن العراقي الكثير واقترن اسمها بأسماء كبيرة في عالم التمثيل العراقي، انتمت بقوة لزمن ابداعي جميل قدم الكثير من الاسماء الفنية التي كان لها دور في خلق انعطافات مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية، وتتلمذ الكثير من الفنانين العراقيين على يديها حين مارست دورها التدريسي.
ونتفق جميعا ـن فوزية الشندي ليست مجرد ممثلة عراقية تمتلك ثقافة تمثيلية تؤهلها لتجسيد ادوارها على خشبة المسرح او في التلفزيون او السينما، ولكنها تمتلك طاقة ثقافية هائلة ابتداءً من اداركها اللغوي التام ومعرفتها بأسارير اللغة العربية ونمطها الثقافي، الى تمتعها بمنطق حواري يجعلك تشعر ان تاريخ وحاضر العراق مجبول في مخيلتها.
كما تمتلك رؤية تحليلية ومنطقا نقديا في تحليل مختلف الطروحات الفنية والشخصيات الدرامية التي تسأل عنها في أي عمل فني، فالشخصية النسوية التي تمتلك هذه المواصفات بكل تأكيد سيكون تأثيرها على المحيطين بها تأثيرا ايجابيا قويا، لذلك ليس مستغربا ان تكون فوزية الشندي الأم الولود التي اسست عائلة فنية بمواصفات عالية قدمت لثقافة الفن العراقي شخصيات رائعة وما زالت تقدم بحكمتها وثقافتها العالية، واقل ما يقال عنها انها تاريخ موسوعي عراقي متحرك وناطق.
ومع هذه الغربة الطويلة عن الوطن التي تصفها الرائدة المسرحية الفنانة القديرة فوزية الشندي، هي اكتشافات جديدة وعالم متكامل يكتشفها الانسان لاسيما عندما يقرر الاقامة في المكان الذي يعيش فيه بشكل دائم، والغربة هي عكس السفرة السياحية فعندما تقرر السفر الى روما مثلاً للسياحة قد تشعر بالغربة، لكن الوضع يختلف إذا كانت تقيم بشكل دائم، وبالنسبة له تشعر ان الغربة هي راحة نفسية اتاحت لها مشاهدة كل شيء بشكل واضح.
ونكرر المناشدة.. ربما أن الذكرى تنفع المؤمنين ويلتفت من هو اليوم بالمسؤولية من رئاسة الوزراء، وزارة الثقافة، نقابة الفنانين، دائرة السينما والمسرح الى الفنانة المغتربة، وفي سنواتها هذه «طال الله في عمرها» أن يعيد لها اعتبارها التي طالما اعتبرت الرائدة الكبيرة فوزية واحدة من هؤلاء الفنانين المسرحيين الذين أعطوا للمسرح العراقي شبابهم وأفنوا حياتهم.. أن يقام لها تكريم خاص يفخر به العراق والعرب جميعا، ويعكس الوجه الحضاري للعراق.

















