الدكتور نجم  السراجي

قصيدة نثرية

 عَرَّابُ الخَطَايَا

أَنَا…
ضَفَّةٌ مَهْجُورَةٌ، بَعْدُ لَمْ تُكْتَبْ سُطُورِي،
تَرَكَهَا “طِينُ” دِجْلَةَ سَهْواً.. وَأَنَا فِي المَهْدِ!
وَحِينَ وَجَدْتُنِي فِي جَوْفِ التِّيهِ.. أَيْقَنْتُ بِاللَّاشَيْء،
وَأَدْمَنْتُ دُرُوبَ الخُرَافَةِ،
وَانْتَظَرْتُ يَوْماً مِنْ كَفِّ الجُرْحِ أَصْنَعُهُ، أُعْتِقُ فِيهِ الِانْتِظَارَ!

عَرَّابُ الخَطَايَا “أَنَا”..
خَطِيئَتِي التَّنَهُّدُ، وَالرَّاحُ، وَالزَّهْرُ، وَرَشْفَةُ كَأْسٍ تُوحّدُني.
وَخَطِيئَةُ كَأْسِي: سِرُّ العَطَشِ وَرَهْبَةُ الصَّمْتِ.
مَالِكُ العَصَافِيرِ “أَنَا”.. وَلِلْعَصَافِيرِ خَطِيئَةُ العِشْقِ وَلَذَّةُ السُّكْرِ.
طَرِيحُ “النَّهْدَيْنِ” “أَنَا”.. وَلِلْنَّهْدَيْنِ خَطِيئَةُ التَّكَّوُرِ وَفِتْنَةُ العِطْرِ.

جَبَلُ الخَطَايَا “أَنَا”..
خَطِيئَتِي “الْفُرَاتُ”، وَتَعْوِيذَةٌ مِنْ تُرَابِ الْأَئِمَّةِ، وَغَصَّةُ أَشْجَارٍ نَالَهَا الجُرْحُ،
فَأَدْمَنْتُ العِرَاقَ مَشْرَباً فِي حَانَةِ المَوْتِ،
وَأَدْمَنْتُ المَرَافِئَ “خِلْسَةً”.. تُقَايِضُنِي بِزَهْوِ الشَّبَابِ وَلِيَ… الثَّلْجُ،
وَأَدْمَنْتُ المَوْتَ احْتِضَاراً مُسْتَلْقِياً عَلَى ظِلِّ نَخْلَةٍ حَرَقَتْهُ رَصَاصَةٌ،
وَأَجْرَاسُ السَّنَابِلِ البَرِّيَّةِ تَتَشَظَّى فِي مُدُنِي.

بَغْداد… أُنادِيكِ!
وَاسْمٌ لِي مَصْلُوبٌ عَلَى نَصْلِ طُرُقَاتِهِمْ يُنَادِيكِ،
وَآتِيكِ لَائِذاً، أَتَذَرَّعُ:
أَنَا المَطْرُودُ مِنْ نَعْمَائِكِ، المُضْطَرُّ لِلْهَجْرِ.. وَقفتُ بِبَابِكِ أَتَرجَّى بِكُلِّ المَوَاجِعِ
أَنَا لَمْ أَبْتَعِدْ بَغْداد.. هُمْ رَحَّلُونِي!
كُلَّمَا تَدَانَيْتُ، تُدَاهِمُنِي المَسَافَاتُ، تَقَاضِينِي!
وَرَحَلْتُ تَاِرِكاً رَأْسِي يَسُدُّ ثَغْرَةً ظَنُّوا سَأُحْدِثُهَا،
وَجَسَداً مُسَجًّى عَلَى أَرْصِفَةِ المَنَافِي،
وَصَرَخَاتِ طَائِرٍ مَذْبُوحٍ يُورِقُ صَبْراً فِي حُشَاشَاتِي.

وَحِينَ امْتَزَجَ دَمِي بِرَمَادِهِ.. أَلْبَسَنِي الحَلاَّجُ “خِرْقَتَهُ”،
قَالَ: “أَعْلِنْ وُضُوءَ القَلَمِ، أَطْلِقْ سِفْرَ الظَّلَامَةِ، وَرَتِّلْ مَعَ الرِّيحِ تَرْنِيمَةَ الفَجْرِ”.
وَمَضَيْتُ مُنْتَظِراً.. لِيَجِفَّ القَلَمُ بِمَا جَرَى.. وَلَمْ يَأْتِ غَدٌ!

عُدْتُ إِلَيَّ، أَسْأَلُنِي عَنْ سِرِّ القَمَرِ وَخُدْعَةِ المَرَايَا،
وَكَيْفَ فَرَّتِ النُّجُومُ مِنْ يَدَيَّ؟
وَلِمَ جَاءَنِي المَسَاءُ لِيَشْهَدَ وَهَنَ العَظْمِ،
وَكَيْفَ تُسْرِجُ التَّجَاعِيدُ خَيْلَهَا لِتَقُودَ الهَزِيمَةَ نَحْوِي..

ذَاكَ أَنَا… عَرَّابُ الخَطَايَا،
دَمْعَةٌ.. جَمْرَةٌ.. وَاحِدَةٌ لا تَكْفِي لِتَطْهِيرِي!

 

ختم مجلة ضفاف الدجلتين