الرموز القيمية في القصة القصيرة جدًا

زين الدين بومرزوق(١) أنموذجًا

بقلم: جمال نصّاري

أقام نادي حبر أبيض البريطاني ومركز لندن للإبداع العربي ندوة أدبية للكاتب الجزائري زين الدين بومرزوق في العاصمة البريطانية لندن وعندما تواصل معي الكاتب، طلبت منه أن يختار لي مجموعة من قصصه القصيرة جدًا التي يراها موفقة، بدلًا من أن يرسل لي كتبه كاملة بصيغة .PDFيأتي هذا الطلب انطلاقًا من إيماني بأن الناقد الأول للنص هو صاحبه، ومن ثم تأتي التأويلات من الناقد الأدبي والقارئ المستثمر. وقد تفضل الكاتب وزودني بستة عشر نصًا من مجموعتيه “قلب مختل عقليًا” و*”في يد قاتل مأجور”*.

تعريفات

١-القصة القصيرة جدًا

القصة القصيرة جدًا هي جنس أدبي سردي يتميّز بالإيجاز الشديد، حيث تُروى فيه حكاية كاملة في عدد محدود من الكلمات، قد لا يتجاوز بضعة أسطر. كما تعتمد هذه القصة على عنصر الإدهاش من خلال المفاجأة والرمزية(٢)، مما يجعل كل كلمة محملة بالدلالة والتأثير.

نماذج

يقول الكاتب الأمريكي أو هنري:

كان سائق سيارة يدخن، عندما انحنى ليرى مستوى البنزين المتبقي في خزان الوقود. كان الفقيد في الثالثة والعشرين من عمره.

يعتمد الكاتب الأرجنتيني أورلاندو انريكي على عنصر المفارقة في النص التالي:

«لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام »قال الجلادُ. « هذا ما يقلقني » أجاب المحكوم بالإعدام

أما الكاتب الإيراني قباد آذر آبين فيحمل صليبه على كتفه من حرب إلى حرب:

كتبَ ضابط العدو عنوانَ بيتنا باللغتين الفارسية والعبرية، على لوحٍ وعلّقه في مقدّمة صاروخ، ثم أطلقه…

ولم يكن يعلم أنّ بيتنا كان قد دُمِّر قبل سنوات، في حربٍ أخرى.

٢-القيم

 تنقسم القيم إلى قسمين: القيم الجماعية والقيم الفردية. القيم الجماعية (Collective Values): تشير إلى المعتقدات والمبادئ والمعايير المشتركة التي يتفق عليها المجتمع أو أفراد المجموعة. “لذا فإن شخصية المجتمع مفتاح أساسي لإدراك أواصر التلاقي بين ما هو مادي و ما هو روحي”(٣). تؤثر هذه القيم في الثقافة وتشكل سلوكيات الإنسان تجاه مفاهيم أساسية مثل الهوية والحرية والعدالة والنزاهة والمساواة. ومن هذا المنطلق، أشار كل من دولوز(٤) وغاتاري(٥) في كتابهما “كافكا: (٦)نحو أدب أقلي”(٧) إلى أن القيم الجماعية تمثل سمة ثالثة وجوهرية لبناء صوت واضح وفاعل في الأدب الأغلبي.

القيم الفردية: هي مبادئ ذاتية وخصائص شخصية يتصف بها الفرد، وتوجه سلوكه تجاه ذاته والآخرين. هذه القيم الشخصية تحملُ معتقدات وتفضيلات ومفاهيم مجردة تساعده في تحديد السلوكيات وتتصف بالثبات النسبي.

 ٣-الرمزية

الرمزية هي إحدى المدارس الأدبية التي تُضاعف إمكانيات التأويل عبر الإيحاء والتلميح والإيهام والخطاب غير المباشر. تتجاوز المدرسة الرمزية وظيفتها الحرفية لتصبح وسيلة لتأويل القيم والهويات والعلاقات المتداخلة داخل النص.

تطبيقات

 ١- القيم الجماعية

 ١-١ الهوية

 الهوية هي الإجابة عن سؤال: من أنا؟، وهي البحث عن جوهر الإنسان وفلسفة وجوده في هذا الكون. ولا ننسى أنّ للهوية عدة جوانب، منها: الفردية، والجماعية، والثقافية، والوطنية. “الهويةُ مجموعةٌ من الخصائص والملامح التي تتكونُ منها الشخصية المتميزةُ لشعب من الشعوب . وهناك كثيرٌ من المفاهيم التي تساعد على الإحاطة بموضوع الهوية كالذات والشخصية والفرد وروح الجماعة والضمير الجمعي وغيرها”(٨)

من هذا المنطلق، جسّد زين الدين بومرزوق الهوية الفردية للمرأة العربية، تلك المرأة التي تعيش كمكوّن أقلي في المجتمعات العربية والإسلامية، وتعاني من القوانين المؤدلجة. وأودّ الإشارة أيضًا إلى أنّ مفردة “الهوية” ترمز إلى معنيين من خلال فن التورية؛ فالمعنى القريب هو بطاقة الهوية، أمّا المعنى البعيد فهو الهوية الفردية بما تحمله من صفات وخصائص. يقول زين الدين بومرزوق في نص “الهوية”:

سألها: هويتكِ يا سيّدة ضرورية لعبور الحدود. ردّت: ضاعت مني وسط الدمار. انتفض: أنتِ مثلهن غاوية، تريدين اللجوء إلى ممارسة قذارتكنّ. قالت: وما العيب إذا كنتُ من وطنٍ مُغتَصِب؟

 ٢-١ الشهادة

 تُعدّ الشهادة من القيم الجماعية التي تقوم على التضحية، وحماية الوطن، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية. وهذا هو الجانب النظري والطوباوي لمفهوم الشهادة. أمّا في الجانب التطبيقي والمأساوي، فنرى مجموعة من الفتاوى الدينية التي تُرسل الشباب إلى مصير مجهول وأفقٍ مظلم. لهذا السبب، يتساءل زين الدين بومرزوق: من هو الشهيد في الجهات المتصارعة؟ ومن صاحب التأويل الحقيقي لهذا الرمز العظيم؟ ولماذا أصبحت الأمور نسبية خدمةً لأجندات تلك الجهات؟

نرى في نص “فتوى” ما يلي:

سمع من الجهتين صيحات التكبير، وشهد رفات أجسادهم. سألوه: من الشهيد؟!

 ١–٣ الحرية

 تُعَدّ الحرية من أبرز القيم في المنظومة القيمية الجماعية، إذ تُفهم بوصفها قدرة الإنسان على الفعل والاختيار، شريطة ألا يُلحق ذلك ضررًا بالآخرين. كما تندرج ضمنها حرية الفكر والتعبير بوصفهما من أهم تجلياتها الأساسية. هذه صورة عامة لمفهوم الحرية الذي لا يتفق معه الكاتب الإيراني بابك  أحمدي في كتابه «الإبداع والحرية» ، ويقول “إن الحرية المطلقة والنقية لا وجود لها، وإن الحرية هي نتيجة تأويلنا لحياتنا ضمن ظروف الزمان والمكان؛ تأويلٌ نابع من مقدار ما نملكه وما نفتقده، ومن كل تلك الأشياء التي نرغب فيها وليست في متناولنا، والتي نفكر فيها الآن”(٩)

تتجلّى قيمة الحرية في المنظومة الفكرية والإبداعية للكاتب زين الدين بومرزوق، حيث يؤكد عليها بصيغتها العامة من خلال حوارية سردية تجمع بين شيخ وابنه في سياق رحلة صيد. ويوظّف الكاتب النسر رمزًا للحرية وعزة النفس وبُعد النظر، في حين يمثّل الابن روح السؤال والاستكشاف، ويجسّد الشيخ الخبرة والتجربة.

يقول في نص «الصيد»:

متى أخرج معك يا أبي؟

 عندما أراك كالنسر!

النسر الذي يأكل صغار فراخنا؟

نعم، يا ولدي، فتلك طبيعته التي جُبل عليها.

 ومتى أكون مثل النسر لأخرج للصيد؟

عندما تمتلك شغفه بالحرية، وعزّة النفس، وبُعد نظره.

 وعلى الرغم من دلالة الرموز والتشبيهات الموظَّفة في النص، فإنها لم تُسعف الكاتب في التخلّص من هيمنة الخطاب؛ إذ جاء خطاب الحرية عبر رموز مكشوفة وتشبيهات مباشرة، مما أضعف الأثر الجمالي للقفلة، وأدخلها في نطاق التقريرية والوضوح الزائد.

١-٤ التنقيب في الماضي

تعدّ دراسةُ الماضي والكشفُ عنه والتنقيبُ في ذاكرةٍ جماعيةٍ مليئةٍ بالتناقضات والأوجاع من أحد أهمّ القيم الجماعية للوصول إلى المعرفة. يقول زين الدين بومرزوق في نصّ “أركيولوجيا”عندما وقفتُ أمامه بوجهٍ مُعفَّرٍ بالتراب، وفي يدها معولٌ صغيرٌ وفرشاة،
ضحكَ وقال: سيدةٌ صناعتُها النبشُ في الماضي.
ردّت: خاصةً ماضي الحيوانات.”

يرمز المعول إلى الكشف، وترمز الفرشاة إلى العناية؛ وهذان الرمزان يبحثان في طبقات الماضي ويفكّكان التراكمات للوصول إلى الحقيقة.
غير أنّ الحقيقة نسبية، والواقع مرير؛ ولهذا السبب استعان الكاتب بالسخرية السوداء في تصوير الجدل المحتدم بين المرأة والرجل

 ٢- القيم الفردية

 ٢-١ الحب

 الحبُّ قيمةٌ فردية تنبع من شعورٍ داخلي، وتنعكس آثارها على سلوك الفرد وتصرفاته. ” إن الحب ظاهرة إنسانية، إذ تشير هذه الكلمة المجردة ، في الواقع ، إلى أطياف من المشاعر والأحاسيس والانفعالات المتقاربة المتشابهة ، المترابطة ترابطًا عضويًا في النفس الإنسانية، ومن العبث البحث عن ماهية واحدة تكمن خلف تكاثرها وتعددها ووجودها”(١٠). وانطلاقًا من هذا التصوّر، سعى زين الدين بومرزوق، من خلال التقابل بين دلالتي الحرارة والبرودة، إلى تصوير أهمية الحب ومأساة الفقد.

 يقول في نص «أنفلونزا»:

 تعودتْ على حضنه وحنانه وحرارة جسمه… وما إن غادر في مهمةٍ مستعجلة حتى أُصيبت بنزلة برد.

 ٢-٢ الحلم

 الحلمُ هو رؤيةٌ أو طموحٌ يسعى الفرد إلى تحقيقه، ويحفّزه على العمل والاجتهاد ومواجهة التحديات. وعندما يمتزج هذا الحلم بالرؤيا الفرويدية (١١)، يستقرّ في اللاوعي الإنساني، ليسهم في تهدئة النفس والتحكّم في الضغط النفسي، وذلك من خلال أنسنة المفاهيم   .(Personification) يقول الكاتب في نص «التحدي»:

 أراد أن يقف على قدميه من جديد، لكنهم سرقوا منه الحلم الذي كان يتكئ عليه.

٢-٣-التعاطف

التعاطف هو أن تفهم مشاعر الآخرين، وأن تحاول تقليص مساحة المعاناة والألم لديهم. الشخص المتعاطف يمتلك موهبة الإيثار والكرم. وفي هذا الفضاء القيمي، يقول زين الدين بومرزوق في نص “بائع الحلوى” ما يلي:

يُعطي الحلوى بيمينه لأقرانه من الأطفال، وبِيسراه يأخذ الدنانير القليلة.
بعد أن ينصرفوا فرحين، يمسح دمعةً بكمِّ قميصه الممزق

يُعدّ بائع الحلوى شخصيةً رئيسيةً وفاعلةً في النص، إذ يمتلك قيماً عاليةً جداً، ويرمز إلى الإيثار من خلال تغليب المصلحة العامة على مصلحته الخاصة. كما تحمل هذه الشخصية حزناً عميقاً في داخلها، يتمثّل في الدمعة التي لامست القميص الممزق؛ دمعةٌ تجاوزت الفقر لتُسعد الآخرين

هوامش

١-زين الدين بومرزوق كاتب جزائري ولد عام  1962  في مدينة بسكرة. حاصل على بكالوريا في الأدب العربي وماجستير في  العلوم السياسية  .بدأ مسيرته الأدبية عام 1981 ومن أبرز أعماله: «قلب مختل عقليًا»، و«سلفي مع أبي»، و« في يد قاتل مأجور»، و«الحجر المقدس»، و«خمسون درجة تحت الظل».

٢-سألتني الزميلة والفنانة التشكيلية بان الحلي: «ما جدوى الرمزية إذا لم نتمكن من فك شفراتها؟» أجبتها بأن الرمزية ليست أحادية الشكل، فهي تتنوع بين مغلقة ومفتوحة على التأويل. ففي بعض الأحيان تمتزج بالأسطورة، وفي أحيان أخرى تأخذ طابعًا نفسيًا أو اجتماعيًا. وما يربط المبدع بالمتلقي ليس مجرد رفاهية فنية، بل هو جسر للاستكشاف والخلق، حيث تلتقي الرؤية الفردية بالتجربة المشتركة، وتتشكل معاني جديدة تتجاوز حدود الرموز نفسها.

٣-جمعة، قاسم: النظرية النقدية عند أريك فروم، بيروت، منتدى المعارف، 2011،ص66

٤-جيل دولوز فيلسوف فرنسي وُلد عام 1925 وتوفي عام 1995، ويُعد من أبرز فلاسفة القرن العشرين. اهتم بتجديد الفكر الفلسفي من خلال نقد المفاهيم التقليدية مثل الهوية والثبات، وركز على مفاهيم الاختلاف والتعدد والتغير المستمر.

٥-فيليكس غاتاري مفكر ومحلل نفسي فرنسي وُلد عام 1930 وتوفي عام 1992، ويُعد من أبرز الأسماء في الفلسفة المعاصرة والفكر النقدي. جمع في أعماله بين التحليل النفسي والفلسفة والسياسة، واهتم بدراسة العلاقة بين الفرد والمجتمع والأنظمة التي تؤثر في تشكيل الوعي. اشتهر بتعاونه مع الفيلسوف جيل دولوز، حيث قدّما معًا مشروعًا فكريًا مميزًا ينتقد البُنى التقليدية في التحليل النفسي، خاصة الفرويدية، ويطرح بديلًا يقوم على مفاهيم مثل الرغبة والإنتاج الاجتماعي.

٦- فرانز كافكا كاتب وصحفي تشيكي ناطق بالألمانية وُلد عام 1883 وتوفي عام 1924، ويُعد أحد أبرز الكتاب في الأدب الحديث. اشتهر برواياته وقصصه القصيرة التي تعكس قلق الإنسان الحديث ومشاعره بالغربة والعزلة والاغتراب أمام السلطة والبيروقراطية

٧-بالفرنسية: Kafka: pour une littérature mineure

بالإنجليزية: Kafka: Toward a Minor Literature

٨-بودرع، عبدالرحمن: في تحليل الخطاب الاجتماعي السياسي، عمان، دار كنوز، ص165

٩-أحمدي،بابك: آفرينش وآزادى، تهران، نشر مركز، ص223

١٠-جمعة، قاسم: المصدر نفسه،ص219

١١-يقول وليد قصاب في كتابه ” مناهج النقد الأدبي الحديث، رؤية إسلامية” إن الإنسان – في زعم فرويد- يلعب طفلًا، ويتخيل مراهقًا ويحلم أحلام يقظة وأحلام نوم، والإبداع الفني عنده يشبه هذه الأنشطة